عبد الملك الجويني

166

نهاية المطلب في دراية المذهب

المرهق الذي ذكرنا ، ومسألةٌ أخرى وهي أن الأخرق لو خوّف ، فما يحسبه مهلكاً ولم يكن كذلك ، فقد ينتهي إلى سقوط الاختيار ، وهذا يُخرَّج على ما إذا رأى سواداً ظنه عَدُوَّاً ، فصلى صلاة الخوف ، ثم لم يكن كما ظنّ . فأما الطريقة الأولى ، فمن ضرورتها الفصل بين المطلوب والمطلوب ، فالإكراه على القتل فوق الإكراه على الطلاق وإتلافه المال . ثم الإكراه على القتل يقع بالتخويف بالقتل لا غير في وجهٍ ، أو بالتخويف بالقطع الذي يكون مثله عمداً في قتل النفس ، فأما ما عداه ، فلا يكون إكراهاً على القتل ؛ فليس التخويف بإتلاف المال والولد إكراهاً على القتل . فأما الإكراه على الطلاق ، فلا يشترط فيه القتل والقطع ، ثم قال الأصحاب : يختلف الإكراه باختلاف درجة المكرَه ، كما حكيناه . وذكروا خلافاً فيما يتعلق بغير بدن المطالَب : كالإكراه بإتلاف المال وقتل الولد ومن في معناه . فينتظم منه أن ما يتعلق ببدن المطالَب المكرَه ، فإن كان عقوبةً وإيلاماً ، أو حبساً يهون الطلاق في مقابلته ، فهو إكراه ، ثم الآلام تختلف بقوّة المكرَه وضعفه ، فقد يحتمل القوي الضربَ العنيف ، والضعيفُ لا يحتمله ، فهذا مما يختلف باختلاف الأبدان لا محالة ، وما يرجع إلى حط الجاه ، والغضّ من المروءة كالصفع على رؤوس الأشهاد ، وتكليف الإحفاء وتحسر الرأس في الأسواق ، فهذا مختلف فيه : فمن أصحابنا من لا يراه إكراهاً ، ومنهم من يراه إكراهاً في حق من يعظم وقعُه في حقه . هذا فيما يتعلق بالمُطالَب . فأما ما يتعلق بغيره ، فهو التخويف بإتلاف المال ، وقتل الولد ، أو الوالد ، فهذا فيه اختلاف : فمنهم من يجعله إكراهاً ، ومنهم من لا يجعله إكراهاً ، ففي كلام العراقيين ما يدل على أن التخويف بالمال في مقابلة المال إكراه ، وليس التخويف بإتلاف المال في مقابلة الطلاق إكراهاً .